السيد محمد تقي المدرسي

98

من هدى القرآن

يكون من معاني التصديق بكلمات الله وقنوتها أنها بلغت مرحلة العصمة ، حيث إن الإنسان بين أمرين : بين الاستجابة لنداء الباطل وكلماته ، أو التصديق بالحق واتباع ندائه ومناديه ، وإذا كان الإنسان جادا في اتباع الحق تمايز في داخله نداء الشيطان المنبعث من شهواته ووساوس نفسه الأمارة بالسوء ، وهمزات شيطانه الرجيم تتمايز عن نداء الرحمن المنبعث من عقله ووجدان نفسه اللوامة وإلهامات ربه عبر ملائكته الكرام . وهذا أحد وسائل الوحي الذي هو نقر في القلب ، والذي من أمثلته ما ألهمت أم موسى عليها السلام أن تلقي بولدها في اليم . وهذه الآيات الثلاث تهدينا إلى حقيقة رئيسية هي أن الإنسان قادر على الاستقلال بإرادته وقراره وعمله مهما كانت الظروف مساعدة أو معاكسة لما يختاره لنفسه ، فالكفر والإيمان يبدآن من داخل الإنسان وليس من الظروف والعوامل المحيطة ، وبالتالي يمكن القول : إن هذه الآيات بما ضربته من الأمثال تنسف الفلسفات الضالة القائمة على أساس الإيمان بالحتميات اقتصادية أو اجتماعية أو وراثية وغيرها من الحتميات ، فيما يتصل بقرار الإيمان والكفر في حياة الإنسان ، فهذه آسية بنت مزاحم ومريم بنة عمران تحدتا الظروف والضغوط وآمنتا بالله ، في حين كفرت زوجة نوح ولوط رغم العوامل الإيجابية والمساعدة على الإيمان ، وإذا كانت هذه البصيرة صادقة في المرأة فإن صدقها بالنسبة إلى الرجل أوضح وأجلى أليست المرأة ضعيفة أمام الرجل ؟ .